ابن أبي الحديد

100

شرح نهج البلاغة

ومنها أن يقال : كيف كانت شبهة إبليس وأصحابه في التعزز بخلقه النار ؟ الجواب ، لما كانت النار مشرقة بالذات ، والأرض مظلمة ، وكانت النار أشبه بالنور ، والنور أشبه بالمجردات ، جعل إبليس ذلك حجة احتج بها في شرف عنصره على عنصر آدم عليه السلام ، ولان النار أقرب ، إلى ، الفلك من الأرض ، وكل شئ كان أقرب إلى الفلك من غيره كان أشرف ، والبارئ تعالى لم يعتبر ذلك ، وفعل سبحانه ما يعلم أنه المصلحة والصواب . * * * ومنها أن يقال : كيف يجوز السجود لغير الله تعالى ؟ والجواب ، أنه قيل : إن السجود لم يكن إلا لله تعالى ، وإنما كان آدم عليه السلام قبلة . ويمكن أن يقال : إن السجود لله على وجه العبادة ، ولغيره على وجه التكرمة ، كما سجد أبو يوسف وإخوته له . يجوز أن تختلف الأحوال والأوقات في حسن ذلك وقبحه . * * * ومنها أن يقال : كيف جاز على ما تعتقدونه من حكمة البارئ أن يسلط إبليس على المكلفين ، أليس هذا هو الاستفساد الذي تأبونه وتمنعونه ! والجواب : أما الشيخ أبو علي رحمه الله فيقول : حد المفسدة ما وقع عند الفساد ، ولولاه لم يقع مع تمكن المكلف من الفعل في الحالين ، ومن فسد بدعاء إبليس لم يتحقق فيه هذا الحد ، لان الله تعالى علم أن كل من فسد عند دعائه ، فإنه يفسد ، ولو لم يدعه . وأما أبو هاشم رحمه الله فيحد المفسدة بهذا الحد أيضا ، ويقول : إن في الاتيان بالطاعة مع دعاء إبليس إلى القبيح مشقة زائدة على مشقة الاتيان بها ، لو لم يدع إبليس إلى